أبي منصور الماتريدي

293

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

[ والثاني : على قولهم ] « 1 » لا يملك أن يتوفاه مسلما ؛ لأن من قولهم : إنه أعطى كل أحد ما به يكون مؤمنا حتى لم يبق عنده شيء ، ومن سأل آخر شيئا يعلم أنه ليس عنده ؛ فهو يهزأ به ، أو يكون فيه كتمان النعمة ؛ وفي كتمان النعمة كفرانها . وقوله - عزّ وجل - : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ . . . الآية . ذلِكَ : أي خبر يوسف وإخوته ؛ وقصصهم التي قصصنا عليك وأخبرناك به ؛ من أوله إلى آخره ، مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ لم تشهدها أنت [ ولم تحضرها كقوله ] « 2 » : ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ [ هود : 49 ] هذا ليعلم أنك إنما علمت وعرفتها بالله وحيا ؛ ليدلهم على رسالتك ونبوتك . والله تعالى أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ . أي : ما كنت لديهم ولا بحضرتهم ؛ ثم أنبأت على ما كان ؛ ليدل على ما ذكرنا من الرسالة . وقوله - عزّ وجل - : وَهُمْ يَمْكُرُونَ . بأبيهم وأخيهم : أما مكرهم بأبيهم ؛ حيث قالوا : يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ [ يوسف : 11 ] أخبروه أنهم له ناصحون ؛ فخانوه . ومكرهم بأخيهم ؛ حيث قالوا : أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ يوسف : 12 ] ضمنوا له الحفظ ؛ فلم يحفظوه - مكروا بهما جميعا . والمكر : هو الاحتيال ؛ في اللغة ؛ والأخذ على جهة الأمن ، وقد فعلوا هم بأبيهم يعقوب وأخيهم يوسف عليهما السلام . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 103 إلى 107 ] وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ( 103 ) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 104 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 ) وقوله - عزّ وجل - : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . أي ما أكثر الناس بمؤمنين ؛ ولو حرصت يا محمد أن يكونوا مؤمنين ؛ كقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] كان النبي صلى اللّه عليه وسلّم بلغ من شفقته ورحمته على الخلق ؛ ورغبته في إيمانهم ؛ حتى كادت نفسه تهلك في ذلك ؛ حيث قال :

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : ولا تحضرها ؛ لقوله .